أسد الجزيرة.. وطنٌ لا تُستباح سيادته
بقلم / عبدالرحمن العنزي
ليست الأوطان مجرد حدودٍ مرسومة على الخرائط ولا أسماءٍ تتردد في الخطب والشعارات فالوطن كرامةٌ تُصان وسيادةٌ لا تُساوَم وأمنٌ لا يجوز أن يكون رهينةً لأهواء الجماعات المسلحة أو حسابات القوى التي تتخذ من الفوضى وسيلةً لفرض نفوذها. وحين يتعلق الأمر بالمملكة العربية السعودية فإن الحديث يتجاوز حدود الجغرافيا إلى دولةٍ تعرف قدرها وتدرك مسؤوليتها وتضع أمن شعبها واستقرار أرضها في صدارة أولوياتها.
تواجه المملكة كغيرها من دول المنطقة تهديداتٍ تستهدف أمنها واستقرارها وفي مقدمتها الاعتداءات التي تنفذها جماعة الحوثي الإرهابية ولا يمكن التعامل مع هذه الاعتداءات بوصفها مجرد رسائل عابرة أو أحداثٍ منفصلة عن سياقها فاستهداف المدنيين والمنشآت المدنية وتهديد البنية التحتية وتعريض حياة الأبرياء للخطر كلها ممارساتٌ تمس جوهر الأمن الإنساني وتكشف خطورة استخدام السلاح أداةً لابتزاز الدول وفرض الإرادات بالقوة.
وقد عكست المواقف الإقليمية والدولية الرافضة لهذه الاعتداءات إدراكًا لما تنطوي عليه من مخاطر على أمن المملكة واستقرار المنطقة. فعندما تصبح المنشآت المدنية عرضةً للتهديد ويجد المدنيون أنفسهم في دائرة الخطر تتجاوز القضية حدود الخلاف السياسي لتصبح اختبارًا حقيقيًا لاحترام القانون الدولي وحماية الأبرياء وصون المبادئ التي ينبغي أن تحكم العلاقات بين الدول.
إن المملكة العربية السعودية ليست دولةً تسعى إلى الصدام ولا تستمد مكانتها من التصعيد اللفظي أو استعراض القوة في كل مناسبة بل هي دولةٌ تدرك أن السلام قيمةٌ عظيمة وأن الاستقرار ضرورةٌ للتنمية وأن الحوار يظل خيارًا مهمًا متى توافرت له الجدية والضمانات اللازمة. غير أن الحرص على السلام لا يعني التفريط في السيادة والدعوة إلى التهدئة لا تعني القبول بالاعتداء والحكمة لا تعني الوقوف مكتوفي الأيدي أمام من يهدد أمن المواطنين والمقيمين.
ومن حق المملكة وفقًا للقانون الدولي حماية أراضيها وسكانها ومنشآتها واتخاذ التدابير المشروعة اللازمة للدفاع عن أمنها في مواجهة التهديدات مع الالتزام بالقواعد التي تكفل حماية المدنيين والحد من الأضرار الإنسانية. فالدفاع عن الوطن ليس نزوعًا إلى الحرب بل مسؤوليةٌ تفرضها ضرورة حماية الأرواح وصيانة الاستقرار ومنع المعتدي من الاعتقاد بأن تكرار التهديدات كفيلٌ بفرض واقعٍ لا تقبله الدولة ولا شعبها.
ولا تستمد المملكة قوتها الحقيقية من قدراتها العسكرية وحدها بل من منظومةٍ متكاملة تشمل قوة المؤسسات والجاهزية الأمنية، والخبرة السياسية والوعي الشعبي، والتماسك الوطني. فالدول الراسخة لا تُقاس بما تواجهه من تحديات فحسب بل بقدرتها على احتواء المخاطر وحماية مجتمعها، ومواصلة مسيرة التنمية دون أن تسمح للتهديدات بأن تنال من ثقتها أو تعطل طموحاتها.
وفي زمن الصراعات تصبح المسؤولية الإعلامية جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن الوطني فالمعلومة الدقيقة تحمي الوعي من التضليل والخبر الموثوق يحد من انتشار الشائعات والتحليل المتزن يميز بين الوقائع المثبتة والدعاية الموجهة. وليس من الحكمة تحويل المخاوف إلى مادةٍ للتهويل أو استغلال الأحداث لبث القلق بين الناس. فالمجتمع الواعي لا يتجاهل التحديات لكنه يتعامل معها بوعيٍ وثبات، ويستقي معلوماته من مصادر موثوقة ويترك للجهات المختصة مسؤولية إعلان التفاصيل المؤكدة.
ومن الضروري كذلك التمييز بين الجماعات المسلحة التي تختار التصعيد والشعوب التي تدفع غالبًا ثمن الحروب والصراعات. فرفض اعتداءات الحوثيين لا يعني تحميل الشعب اليمني بأكمله مسؤولية أفعال الجماعة بل إن أمن اليمن واستقراره مصلحةٌ للمنطقة بأسرها. وإن إنهاء دوامة العنف يتطلب تغليب الحلول التي تحفظ أرواح المدنيين وتحترم سيادة الدول وتمهد الطريق أمام مستقبلٍ أكثر أمنًا واستقرارًا لشعوب المنطقة.
والمملكة العربية السعودية بما تمثله من ثقلٍ سياسي واقتصادي ومكانةٍ إقليمية ودولية تدرك أن الاستقرار لا يتحقق بالأمن وحده ولا تُصان المصالح بالتنمية وحدها بل يتحققان بتكامل القوة والحكمة واليقظة والانضباط والحزم في مواجهة الاعتداء والانفتاح على الحلول السياسية متى توافرت شروطها. وهذه المعادلة هي ما تحتاج إليه المنطقة في مرحلةٍ تتشابك فيها التهديدات وتتداخل المصالح وتغدو فيها حماية الممرات البحرية والمنشآت المدنية وأمن السكان مسؤوليةً تتجاوز حدود دولةٍ واحدة.
أما الذين يراهنون على أن تكرار الاعتداءات سيُضعف إرادة المملكة أو أن الضجيج الإعلامي قادرٌ على تغيير حقائق التاريخ والجغرافيا فعليهم أن يدركوا أن مكانة الدول لا تُنتقص بالصخب وأن الحقوق المشروعة لا تسقط تحت الضغط. فالمواقف تُقاس بقدرتها على تحقيق أهدافها والهيبة تُبنى بثبات الموقف والقوة الحقيقية تتجلى حين تجتمع القدرة على الرد مع الحكمة في تقدير المواقف والحرص على حماية الإنسان مع الإصرار على صيانة السيادة.
إن حب الوطن لا يحتاج إلى مبالغةٍ في الوصف، ولا إلى الانتقاص من شأن الآخرين فمكانة المملكة راسخةٌ بما حققته من إنجازات وما تضطلع به من مسؤوليات وما تبذله من جهودٍ لحماية أمنها وخدمة شعبها. والالتفاف حول الوطن في أوقات التحديات لا يعني التخلي عن النقد المسؤول أو إغلاق باب النقاش بل يعني تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة وجعل الوعي سندًا للاستقرار وإعلاء الحقيقة على الشائعة وتغليب المصلحة العامة على الانفعال.
**أسد الجزيرة لا تصنع هيبته كثرة الضجيج، بل ثبات الموقف، وقوة المؤسسات، ووعي الشعب، وصون السيادة.** فالمملكة التي جعلت أمنها واستقرارها ركيزةً لمسيرتها ماضيةٌ بعون الله في مواجهة التحديات بعزمٍ وحكمة متمسكةً بحقها المشروع في حماية أرضها ومواصلةً مسيرة التنمية والبناء دون أن تسمح للتهديدات بأن تصرفها عن مستقبلها أو تنال من تماسكها الوطني.
حفظ الله المملكة العربية السعودية وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار وحمى قيادتها وشعبها والمقيمين على أرضها ورد عنها كل سوء وجعلها دائمًا واحةً للأمن والاستقرار ودارًا للعزة والكرامة.
صحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية

.jpg)
.jpg)

.jpg)

.jpg)



















