«عيش خفيف، وموت خفيف»… دعاء أبي وعِبرة حياتي
الإعلامي والمرشد السياحي
عبدالله عبدالهادي بخاري
الثلاثاء، ٩ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ، الموافق ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦م
كنت أخدم والدي، رحمه الله، وأسمعه يردّد: «عيش خفيف، وموت خفيف». بقيت كلمته في ذاكرتي، ثم قرّبني المرض من معناها؛ فحين صَعُبت حركتي، واحتجت إلى من يعينني، فهمت جانبًا من حرصه على خدمة نفسه ومراعاة من حوله.
عانى أبي من السكري وارتفاع ضغط الدم، وانزلاقٍ غضروفيٍّ في الفقرات الظهرية، وكان زائد الوزن. وظلّ حتى وفاته يعتني بنفسه ويقضي حاجاته بقدر استطاعته، ويستعين بنا فيما يحتاج إليه. وكنا إلى جانبه نرعاه بمحبة، ونرى خدمته حقًّا له علينا، وبرًّا نرجو أجره.
وأقرب ما أفهمه من «عيش خفيف» أنه كان يرجو عافيةً تعينه، وحياةً هيّنةً عليه وعلى أهله. وأفهم «موت خفيف» بأنه كان يسأل الله أن يهوّن عليه سكرات الموت عند مجيء أجله، ويلطف به ويرحمه. وهذا فهمي لكلمته في ضوء معرفتي به، دون الجزم بكل ما كان يقصده.
وبعد تركيب الركبة الصناعية، ومع الربو وصعوبة المشي، أصبحت أحتاج أحيانًا إلى المساعدة. أدركت كيف تتحول حاجة يومية بسيطة إلى مشقة، وكيف يتمنى الإنسان أن يقضيها بنفسه، مع تقديره لمن يمدّ إليه يد العون.
وكان لزوجتي الدور الأبرز في رعايتي؛ وقفت إلى جانبي في مرضي وتَعَبي، وأعانتني حين صَعُبت حركتي، وتحملت معي مشقة تلك الأيام. أحفظ لها هذا الجميل، وأذكر فضلها بامتنان؛ ففي رعايتها وجدت العون، وفي وقفتها عرفت معنى الرفقة والوفاء.
لها مني شكرٌ خاص، ودعاءٌ بأن يجزيها الله عن صبرها وإحسانها خير الجزاء. وكانت ابنتي تساعدني أحيانًا، فلها كذلك محبتي وشكري. ومن الوفاء لمن يرعانا أن نقدّر جهده، ونراعي تعبه، ونخفف عنه ما نستطيع.
وعلّمتني التجربة أن صمت المريض لا يعني استغناءه؛ فقد يحتاج ويسكت حياءً، أو يتردد مراعاةً لمن يخدمه. فلنسأل برفق، ولنصغِ بصبر، ولنحفظ مشاعره ونحن نقضي حاجته.
وفي رعاية الوالدين عمومًا، ما أقسى أن يتخلّى بعض الأبناء عن أبٍ أو أمٍّ عند الكِبَر والمرض، فيتركانهما ينتظران زيارةً أو اتصالًا! وقد تستلزم حالتهما رعايةً متخصصة، لكن توفيرها لا يعوّض سؤال الأبناء ومتابعتهم ومؤانستهم. فالرعاية مسؤولية، والصلة وفاء، والحضور يخفف وحشة الانتظار.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت من ضرٍّ أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي». متفق عليه.
فنطلب العافية، ونفوّض اختيار الخير إلى الله في الحياة والموت، ونسعى إلى تخفيف المعاناة؛ فحاجة المريض لا تنقص كرامته، وقبول العون لا يناقض عزة نفسه.
الفائدة والخلاصة
أن نخدم أنفسنا فيما نستطيع، ونقبل العون حين نحتاج، ونحفظ فضل من يرعانا. وأن نتفقّد والدينا ومرضانا قبل أن يطلبوا، ونمنحهم من وقتنا وصبرنا ما يطمئن قلوبهم.
كنت أخدم أبي، ثم علّمني المرض أن أفهم جانبًا من شعوره. رحل، وبقيت كلمته تذكّرني بنعمة العافية وقيمة الرحمة. ومع ذكره تحضر أمي، رحمها الله؛ فلهما في قلبي محبة باقية، ودعاء أرجو أن يكون من الوفاء لهما.
اللهم ارحم أبي وأمي واغفر لهما، ونوّر قبريهما، وارفع درجاتهما، واجزهما عني خير الجزاء، واجمعنا بهما في جنات النعيم. ربِّ ارحمهما كما ربّياني صغيرًا.
اللهم اجزِ زوجتي عن رعايتها وصبرها وإحسانها خيرًا، وبارك فيها وفي ابنتي، واشفني واشفِ مرضانا، وأعنّا على البرّ والرحمة والوفاء.
صحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية

.jpg)
.jpg)

.jpg)
.jpg)


.jpg)


















