صحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية 

منذ 4 يوم و 1 ساعة 0 78 0
حين ترسم الخريطة العالم… من يرسم الحقيقة؟
حين ترسم الخريطة العالم… من يرسم الحقيقة؟

حين ترسم الخريطة العالم… من يرسم الحقيقة؟

 

????بقلم الدكتور هاشم محمد الحبشي عالم وباحث في علم وتقنية النانو،شيفرة النانو 9630

عضو الهيئة العلمية العليا للاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة

عضو هيئة مجلس العلماء العرب.

 

في الرابع من سبتمبر 2026، لم تصوّت الجمعية العامة للأمم المتحدة على خريطة.

صوّتت على مرآة.

على أداة تعيد تشكيل ما نراه، لا ما هو كائن.

فقد اعتمدت الجمعية العامة، بأغلبية 164 دولة، مقابل دولة واحدة صوّتت ضد القرار، وست دول امتنعت عن التصويت، قرارًا بعنوان «تصحيح الخريطة»، يدعو إلى معالجة التشوهات في تمثيل أحجام مناطق العالم، وتشجيع استخدام إسقاطات متساوية المساحة، ومنها Equal Earth، عندما تكون مقارنة المساحات هي الغرض من الخريطة، إلى جانب التوعية بأثر الخرائط في التعليم والإدراك العام.

 

وجاءت المبادرة من توغو باسم المجموعة الأفريقية، في لحظة تتجاوز حدود علم الخرائط؛ لأن الخرائط لا تخبرنا فقط أين تقع الأشياء، بل تؤثر أيضًا في الطريقة التي نتخيل بها حجم العالم ومركزه وأطرافه.

 

 

وهنا تبدأ القصة الحقيقية…

 

إذا كانت خريطة واحدة قادرة على تغيير تصوّرنا لحجم القارات، فكم من الأشياء الأخرى في حياتنا نراها من خلال «إسقاط» معين، وليس كما هي في حقيقتها؟

 

كم من تاريخ وصلنا من خلال عين المنتصر؟

 

كم من حضارة عرفناها من خلال رواية من جاء إليها من الخارج؟

 

كم من شعب صُوّر لنا بأنه متأخر، بينما كانت له حضارات وعلوم ومعارف سبقت عصره؟

 

وكم من حدّ رُسم على الورق، ثم أصبح واقعًا سياسيًا، وربما تحوّل لاحقًا إلى صراع ودم؟

 

 

ميركاتور… حين يصبح الكذب عادة، لا حقيقة

 

يُقال أحيانًا إن ميركاتور وُلِد لخدمة الملاحة، فحافظ على الزوايا والاتجاهات، لكنه ضخّم أحجام المناطق كلما ابتعدنا عن خط الاستواء.

 

هذا صحيح من الناحية التقنية.

 

لكنه ليس عذرًا.

 

لأن الخريطة التي وُلِدت للبحّارة في القرن السادس عشر، لم تُولَد لتُدرّس لأطفال أفريقيا في القرن الحادي والعشرين.

 

فلماذا ظلّت خمسة قرون هي الصورة الوحيدة للعالم في المدارس والكتب والإعلام؟

 

لأن من يملك رسم الخريطة، يملك رسم الوعي.

 

ليس العيب أن خريطة ميركاتور وُلِدت مشوّهة.

 

العيب أن أحدًا لم يُصلحها طوال هذا الوقت.

 

والأكثر من ذلك: أن من استفاد من تشوّهها، جعلها هي الحقيقة.

 

فلا توجد خريطة مسطحة تنقل الكرة الأرضية إلى الورق بلا تشويه؛ هذا صحيح.

 

لكن المشكلة الحقيقية ليست في التشويه الهندسي…

 

المشكلة في من قرّر أن هذا التشويه هو التشويه المقبول، وأن هذا الخطأ هو الخطأ الذي نعلّمه لأطفالنا، بينما نهمل غيره.

 

لماذا هذا التشويه بالذات؟

 

لأن ميركاتور لا يضخّم حجم جرينلاند فقط.

 

هو يضخّم حجم "الشمال" في العقول.

 

يجعل أوروبا تبدو عظيمة الاتساع، وأمريكا الشمالية مترامية الأطراف، بينما أفريقيا تتقلص في الزاوية الجنوبية من الخريطة.

 

ليس خطأً أن تكون جرينلاند صغيرة في الواقع.

 

الخطأ أن نعلّم الأجيال أنها بحجم أفريقيا.

 

الخطأ أن ينشأ طفل أفريقي يعتقد أن قارته ليست أكثر من بقعة صغيرة، بينما هي 14 ضعفًا مساحة جرينلاند.

 

الخطأ أن ينشأ طفل أوروبي يعتقد أن قارته هي مركز الثقل، بينما أفريقيا تتسع لأوروبا والصين والهند وأمريكا معًا.

 

إذن، لماذا نبرّر؟

 

نحن لا نبرّر.

 

نحن نفضح.

 

نقول: نعم، وُلِد ميركاتور للملاحة، وهذا حق.

 

لكن استمراره في التعليم قرونًا ليس خطأ تقنيًا؛ بل خيار سياسي واستعماري.

 

نعم، كل خريطة مسطحة تشوّه شيئًا ما.

 

لكن ليس كل تشويه يبقى خمسة قرون، ويُدرّس في كل مدارس العالم، ويُعاد إنتاجه في كل كتاب، ويُكرّس في كل متحف، ويُصبح هو الصورة الوحيدة للعالم.

 

هذا ليس تشويهًا تقنيًا.

 

هذا هو تشويه السلطة.

 

 

الاستعمار… حين تصبح المعرفة جزءًا من السيطرة

 

فالاستعمار لم يكن، في تجارب عديدة، احتلالًا للتراب فقط؛ بل ارتبط أيضًا بإعادة تعريف الجغرافيا، وترسيم الحدود، وتغيير أسماء الأماكن، وإعادة تنظيم الإدارة، وفرض المناهج والروايات التاريخية، وصناعة صورة عن الشعوب وثقافاتها ومواردها.

 

فالسيطرة على الأرض قد تنتهي بخروج الجندي…

 

لكن السيطرة على الرواية يمكن أن تستمر أجيالًا.

 

وحين تتحول الرواية إلى كتب مدرسية، وخرائط، وموسوعات، ووسائل إعلام، فإنها لا تبقى مجرد معلومات.

 

بل تتحول إلى وعي جماعي.

 

ومن هنا تبدأ مرحلة أكثر عمقًا من السيطرة:

 

السيطرة على تعريف ما نعرفه، وكيف نعرفه، ومن يملك حق روايته.

 

الخريطة ليست مجرد ورقة

 

الخريطة سردية.

الخريطة ذاكرة.

الخريطة أداة إدراك.

وأحيانًا…

الخريطة سلطة.

 

إنها صورة بصرية قد تجعلنا نعتقد أن ما نراه هو الواقع نفسه، بينما هو في الحقيقة إسقاطٌ للواقع.

 

وهنا تكمن المفارقة:

 

أفريقيا لم تكبر اليوم لأن Equal Earth أنصفتها؛ فقد كانت كبيرة دائمًا.

 

الذي تغيّر ليس حجم أفريقيا…

 

بل زاوية النظر إليها.

 

ففي إسقاط ميركاتور تبدو غرينلاند قريبة في الحجم من أفريقيا، بينما تبلغ مساحة أفريقيا الحقيقية نحو 14 ضعفًا مساحة غرينلاند. وتوضح خرائط Equal Earth نفسها هذه النسبة عند تمثيل المساحات الفعلية.

 

وهذا لا يعني أن ميركاتور «كذبة» بالمعنى الأخلاقي وحده، بل هو تشويه منهجي استمر لأنه خدم مصالح من يملكون قرار اختيار الخريطة.

 

ليست القضية: أي خريطة؟

 

بل:

 

متى نستخدمها؟ ولماذا؟

 

فالخريطة المناسبة للملاحة ليست بالضرورة الخريطة المناسبة لتعليم الأطفال أحجام القارات.

 

والخريطة التي تحافظ على الاتجاهات ليست بالضرورة الأفضل عندما نريد مقارنة المساحات.

 

وهنا تأتي أهمية الإسقاطات متساوية المساحة، ومنها Equal Earth، التي صُممت لتقديم تمثيل أكثر دقة للنسب المساحية بين مناطق العالم. وقد طُوّر إسقاط Equal Earth عام 2018 بوصفه إسقاطًا متساوي المساحة للعالم.

 

القرار الأممي لم يمنع استخدام ميركاتور في الملاحة.

 

لكنه قال بوضوح: لا تعلموا أطفالكم بهذه الخريطة وحدها، وكأنها الحقيقة الوحيدة.

 

وكأن القرار الأممي يقول لنا:

 

«كلما نظرت إلى خريطة، اسأل نفسك: من رسمها؟ ولماذا؟ وما الذي تحافظ عليه؟ وما الذي تشوّهه؟ ومن يستفيد من بقاء هذا التشويه؟»

 

لكن السؤال لا يتوقف عند الخرائط.

 

كم من تاريخ كُتبت قصته من زاوية واحدة؟

 

كم من حضارة قُرئت من خارجها؟

 

كم من أسماء أُعيدت تسميتها؟

 

كم من حدود وُضعت على الورق ثم أصبحت واقعًا؟

 

وكم من رواية بقيت لأنها امتلكت القوة الكافية لتُدرّس، وتُطبع، وتُكرّر، حتى أصبحت في الوعي العام أقرب إلى الحقيقة المطلقة؟

 

تصحيح الخريطة… أم تصحيح النظر؟

 

لهذا، فإن قرار «تصحيح الخريطة» يستحق أن نقرأه بصورة أوسع من مجرد تغيير إسقاط جغرافي.

 

إنه يذكّرنا بأن الصورة التي نراها قد تكون جزءًا من الحقيقة، وليست الحقيقة كلها.

 

الأرض لم تتغيّر.

 

أفريقيا لم تكبر.

 

وأوروبا لم تصغر.

 

الذي تغيّر هو طريقة إسقاط الأرض على الورق… وطريقة رؤيتنا لها.

 

وربما يكون هذا هو السؤال الذي يجب أن نبدأ منه:

 

إذا كانت خريطة واحدة قادرة على تغيير تصوّرنا لحجم القارات، فكم من «الخرائط الفكرية» الأخرى التي ورثناها عن العالم تحتاج هي أيضًا إلى إعادة النظر؟

 

ربما آن الأوان ألا نكتفي بالنظر إلى العالم من خلال الخرائط التي رسمها الآخرون…

 

بل أن نعيد اكتشاف العالم كما هو.

 

ففي زمن تصحيح الخرائط…

لا تنسَ أن تصحّح بصرك…

وبصيرتك.

صحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر
حين ترسم الخريطة العالم… من يرسم الحقيقة؟

محرر المحتوى

جمعه الخياط
المدير العام
رئيس مجلس إدارة شبكة نادي الصحافة السعودي - رئيس مجلس إدارة اكاديمية ايجانما التعليمية - عراب الإعلام الجديد ، صاحب أول دبلومات في الإعلام الجديد ، الإعلام اللجتماعي ، الصحافة الإلكترونية، إدارة مستشفيات للوظائف الإدارية ، العلاقات العامة في القطاع الصحي ، التواصل والعلاقات العامة والتوعية الصحية ، صاحب دورة التحدي عناصر ايجانما العشرة لصناعة الخبر الصحفي 0555566167

شارك وارسل تعليق

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من إرسال تعليقك