الطائف المأنوس.. حينما صنعت رؤية 2030 من الطبيعة والزراعة وجهةً سياحية عالمية
بقلم: الإعلامي عبدالله عبدالهادي بخاري
ليست الطائف مدينةً عادية، بل هي لوحة وطنية متكاملة، اجتمع فيها عبق التاريخ، وشرف المكان، وجمال الطبيعة، وخصوبة الأرض، واعتدال المناخ، حتى استحقت أن تُعرف منذ القدم بـ الطائف المأنوس، وأن تبقى عروس المصايف في المملكة العربية السعودية.
وللطائف مكانة دينية وتاريخية راسخة؛ فقد ارتبط اسمها بالسيرة النبوية عندما قدم إليها رسول الله ﷺ داعيًا إلى الإسلام، كما كانت عبر العصور من أهم الحواضر الزراعية في الجزيرة العربية، واشتهرت بوفرة مياهها، وخصوبة أراضيها، وجودة منتجاتها الزراعية، وفي مقدمتها الورد الطائفي والعنب والرمان والتين والخوخ وغيرها من المحاصيل التي أصبحت علامة مميزة للطائف.
أما جغرافيًا، فقد منحها الله موقعًا فريدًا بين جبال السروات، وارتفاعًا جعل مناخها معتدلًا مقارنة بغيرها من مدن المملكة، فأصبحت مقصدًا للراغبين في الاستجمام والراحة، ومتنفسًا طبيعيًا للعائلات والزوار طوال فصل الصيف.
واليوم، وفي ظل رؤية المملكة العربية السعودية 2030، برز بعدٌ جديد للطائف لا يقل أهمية عن أبعادها التاريخية والجغرافية، وهو البعد السياحي والاستثماري. فقد تحولت السياحة إلى أحد أهم روافد الاقتصاد الوطني، وأصبحت وسيلة لإبراز جمال المملكة، وتنويع مصادر الدخل، واستقطاب الاستثمارات، وتوفير فرص العمل، وتعزيز جودة الحياة.
ومن أجمل صور هذا التحول ما شهدته مزارع الورد في الهدا والشفا، إلى جانب عموم المزارع المنتشرة في أنحاء الطائف، التي كانت في الماضي مزارع هادئة تتوارى بين الجبال، ولا يعرفها إلا أهل المنطقة أو عشاق الزراعة والطبيعة. أما اليوم فقد أصبحت من أشهر الوجهات السياحية، بعد أن أُحسن استثمارها بإقامة الفعاليات الموسمية، والبوليفاردات الريفية، والأسواق المفتوحة، والمقاهي، والمطاعم، والجلسات العائلية، والأنشطة الثقافية والترفيهية، فتحولت من مواقع للإنتاج الزراعي إلى وجهات سياحية متكاملة يقصدها الزوار من داخل المملكة وخارجها.
ولم يعد الزائر يأتي لمشاهدة الورد الطائفي أو شراء الفواكه الموسمية فحسب، بل أصبح يعيش تجربة متكاملة، يتعرف فيها على الموروث الزراعي، ويستمتع بجمال المدرجات الزراعية، ويتذوق المنتجات المحلية، ويشاهد الحرف التقليدية، ويعيش كرم الضيافة السعودية في أبهى صوره.
وتزداد أهمية الطائف السياحية لقربها من مكة المكرمة، حيث يحرص كثير من المعتمرين القادمين من دول الخليج العربي، ومن مختلف الدول العربية والإسلامية، بل ومن أنحاء العالم، على زيارة الطائف بعد أداء مناسك العمرة، للاستمتاع بأجوائها المعتدلة وطبيعتها الخلابة وفعالياتها المتنوعة، وهو ما يجعلها امتدادًا سياحيًا مميزًا للعاصمة المقدسة.
كما أسهم هذا التطور في دعم المزارعين، وتمكين الأسر المنتجة، وتشجيع المستثمرين، وتنشيط الأسواق، وخلق فرص عمل جديدة، لتصبح السياحة الزراعية أحد النماذج الناجحة التي تجمع بين المحافظة على البيئة وتحقيق التنمية الاقتصادية.
ومع ما تحقق من نجاح يستحق الإشادة، فإن من باب الحرص على تطوير هذه التجربة، أرى أهمية إعادة النظر في رسوم الدخول إلى بعض المواقع السياحية. فالزائر يدفع رسمًا للدخول، ثم يدفع مرة أخرى داخل الموقع مقابل المأكولات والمشروبات والتسوق والأنشطة المختلفة، بينما تحقق المحال التجارية والمقاهي والمطاعم المؤجرة عوائد استثمارية جيدة.
ولعل من المناسب دراسة جعل رسوم الدخول رمزية، أو احتسابها ضمن قيمة المشتريات، أو تخصيص أيام مجانية للعائلات، لأن ذلك سيزيد من أعداد الزوار، ويشجع على تكرار الزيارة، وينشط الحركة التجارية داخل المواقع، ويحقق التوازن بين مصلحة المستثمر وراحة الزائر.
إن الطائف اليوم لا تقدم نموذجًا ناجحًا في السياحة فحسب، بل تقدم درسًا في كيفية تحويل المقومات الطبيعية والزراعية إلى صناعة اقتصادية وثقافية وسياحية متكاملة، تعكس طموح وطن، ورؤية قيادة، وإبداع أبناء هذا الوطن.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها الأمن والاستقرار والرخاء، وبارك في قيادتها وشعبها، لتبقى وطنًا شامخًا، وحاضنةً للحرمين الشريفين، ووجهةً عالميةً تجمع بين الإيمان، والتاريخ، والطبيعة
، والتنمية.
كاتب وإعلامي
صحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية




.jpg)
.jpg)


.jpg)







.jpg)






.jpg)





